مصطفى صادق الرافعي

157

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وضروب من التعبير النفسي ، إذا هي اتصلت بالحسّ البياني الذي ميزتهم به الفطرة أشبهت أن تكون استواء حسيا ، وبهذا خلص إليهم كلام شعرائهم وخطبائهم . وبلغ من أنفسهم ومازجها ، وكان منها في محل وموقع ؛ على أننا نقرأ اليوم أكثره ولا نجده بتلك المنزلة « 1 » . وإنما مثل ذلك كمن يفتتن بالجمال ، فهو إذا رأى الوجه الجميل كانت نظرته إليه كلاما نفسيا لو جهد البلغاء جهدهم على أن يحكموه بالعبارة كما هو في نفسه لأعيتهم وسائل البلاغة أن يمهدوا منها لهذه الحالة النفسية ، ولجاءوا من كلامهم بالحسّ المغمور الذي لا يعدم بعض النقص والاضطراب مما حسبوه قد تكامل واستقر « 2 » . وهذا مثال يطرد في كل ما أنت واجده من البلاغة العربية . فلا ترى شيئا منها يروعك ويملك عليك المذاهب من نفسك بالتئام أجزائه ورشاقة معرضه وحسن تصويره ، إلا وقعت منه على ضرب من الاستعانة بالخيال الشعري أو العادة الثابتة أو العاطفة المطمئنة أو نحوها . والقرآن لا يستعين بشيء من ذلك في إحكام عبارته والتأني بها إلى النفس وانتظام أسباب التأثير فيها ، وليس إلا أن تقرأه حتى تحسّ من حروفه وأصواتها وحركاتها ومواقع كلماته وطريقة نظمها ومداورتها للمعنى - بأنه كلام يخرج من نفسك ، وبأن هذه النفس قد ذهبت مع التلاوة أصواتا ، واستحال كل ما فيك من قوة الفكر والحس إليها وجرى فيها مجرى البيان ، فصرت كأنك على الحقيقة مطويّ في لسانك . وأعجب شيء في أمر هذا الحس الذي يتمثّل في كلمات القرآن أنه لا يسرف على النفس ولا يستفرغ مجهودها ، بل هو مقتصد في كل أنواع التأثير عليها ، فلا تضيق به ولا تنفر منه ولا يتخوّنها الملال . ولا تزال تبتغي أكثر من حاجتها في التروّح والإصغاء إليه والتصرف معه والانقياد له ، وهو يسوّغها من لذتها ويرفّه عليها بأساليبه وطرقه في

--> ( 1 ) وبعد القرآن صار للشعر الإسلامي وجه آخر ، فالقرآن وحده نزل من العرب منزلة مدرسة جامعة كبرى ؛ يدرسون فيها بطباعهم فلسفة البلاغة . ( 2 ) تعجز كل اللغات عن تصوير إحساس كامل بحيث يكون أثره على مقدار واحد في نفس صاحبه ونفس غيره ، إذ هو حياة لا تلبسها العبارة إلا بمقدار ما ترمي إليها ، وهو كالروح من جسمها ، يدل عليها بتركيبه ، ويكشفها بأعماله . ثم تبقى مع ذلك خافية ؛ إلا إذا اخترع لها جسم جديد على تركيب يبني على إظهارها دون إخفائها . وننبه هنا إلى أن لنا كلاما كثيرا في فلسفة البلاغة والشعر ، تجده منبثا في كل كتبنا : كحديث القمر ، والمساكين ، ورسائل الأحزان ، والسحاب الأحمر ، وأوراق الورد ، وفي الرسائل التي نشرناها في الصحف والمجلات ولم تطبع إلى اليوم في كتاب على حدة .